سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

207

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

فالعرب بذكائهم وحدة ذهنهم لم يطل عليهم الزمن حتى وجدوا من أنفسهم ارتياحا للدعوة ومن قلوبهم ملبيا ومجيبا للداعي ، فدخلوا في دين اللَّه أفواجا ، وازداد العرب بالإسلام إقداما وبأسا وقوة . تلك القوى التي كانوا قبل الإسلام يضعونها بينهم ، قد وجههم بها الإسلام بعد أن أتحدث قلوبهم إلى الممالك والإمصار ، فدانت لدعوة دينهم الأمم ودخلت في طاعتهم الملوك وذلّت لهم الأكاسرة ، فملئوا أكثر معمور الأرض عدلا وفتحا من جبال بيريني الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا إلى جدران الصين ، في أقل من ثمانين سنة . « وهكذا دام مجد الإسلام في تعال وملكهم في اتساع ، في دور الخلفاء الراشدين فالامويين فالعباسيين ، إلى عصر الرشيد والمأمون ، وهناك بلغ مجد الدولة الإسلامية الأوج وأخذ من بعدها زمنا في التوقف ، ثم بدأ في التقهقر والانحطاط إلى دركة لم يبق معها من تلك العظمة والإجلال ، إلا رسوم وألقاب فقد مسماها وانعكس معناها . فهل تم هذا الانحطاط والتقهقر ، بدون سبب ؟ كلّا ! . هل حصل لقلة في عدد المسلمين ؟ لا ! بل إن عدد المسلمين في دور انحطاط دولهم ، كان أكثر من يوم مجدهم وإبّان عزهم . إذن فالسبب الأعظم والفاعل الأكبر في السقوط ، هو إهمال ما كان سببا في النهوض والمجد وعزة الملك وهو ترك حكمةالدين والعمل بها وهي التي جمعت الأهواء المختلفة والكلمة المتفرقة وكانت للملك أقوى من عصبية الجنس وقوته . « نعم ! لما فشى الجهل في الخلفاء وبعدوا عن العلم بحقيقة الدين وحكمته وهن وضعف أساس الملك وتزلزل أقوى دعامة له . فرجعت القواد والرؤساء إلى توزيع قوى الجنسية ومتفرق عصبيات القبائل من وائلي ومضري ويمني ولم يعد لسلطان الدين تلك القوة الجامعة المانعة من عصبية . « وقد زاد في ضعف الخلفاء - بلية - الإكثار من الأغراب وجعلهم قوة استعاضوا بهم عن قوة عصبيتهم وجنسهم ، فارتقى كثير من المماليك إلى أعلى مراتب القواد وترأسوا الدواوين ومدوا أيديهم إلى الأموال واستبدوا بالقرى والسواد وتصرفوا بأموال الدولة حسب الهوى . فوقع الخلفاء بين فقدان قوة الدين وقوة الجنس ولا